Nadia Abili artiste peintre

Annonces




الخط الأندلسي... تاريخ... وفكر... ومسيرة

 الأستاذ محمد الصادق عبد اللطيف  قليبية ـ تونس

تقديم

        وفدت الكتابة العربية على البلاد المغاربية على يد الفاتحين العرب سنة 50 هـ/ 670 م حين وجّه الخليفة معاوية بن أبي سفيان عامله وقائد جيشه عقبة بن نافع الفهري إلى بلاد البربر (إفريقيا الشمالية اليوم) لفتحها ونشر الإسلام بين القبائل البربرية، الذين كانت لهم كتابة خاصة بهم تعرف باسم تيفناغ لا تزال مستعملة حتى الآن لدى سكان الطوارق بالجزائر([1]). وفي القيروان لما تأسست عاصمة إدارية ودينية، انبعثت هناك مؤسسة تعليمية جديدة (بيت الحكمة في شكل جامعة للعلوم والفنون والآداب والترجمة) كانت مقصد العلماء والطلاب. ومع بعثة الفاتحين العرب، وصل الخط إلى النقطة المحورية الجديدة (القيروان) في عصر بني أمية.

        في القيروان وقع استخدام الخط الحجازي والكوفي، ثم استقلوا بالكوفي المنسوب للقيروان (الكوفي القيرواني ذي الحروف المستطيلة المزوّاة).

        وكانت القيروان باعتبارها قاعدة الحكم محطة أولية ليس غير. ولما ارتحل الفاتحون، تغيرت أهمية القيروان وصارت الأندلس محط أنظار الجميع (السلطة الإدارية والبربر ورجال العلم)، فكانت محطة ثقل هامة في الحضارتين والثقافتين العربية والإسلامية. وفي الأندلس وقع استعمال »الخط الشامي« إلى جانب »الخط القيرواني«في مصاحفهم ورقاعهم ومراسلاتهم. وقع تقبّل الخط القيرواني فطوّروه وأدخلوا عليه »ليونة جديدة جيدة« ميزته عن المألوف وولدوا خطاً أسموه بالأندلسيّ أو القرطبي، بالرغم من أن المسلمين الأولين كانوا يكتبون بالخط المشرقي على رأي المقري في "نفح الطيب"، ج 2، ص. 123.

        في تتبع المقولات الهامة ندرك ما لهذا الخط من اهتمام المؤرخين والدارسين خاصة.

        إن ظهور الخط الأندلسي في العهد الأموي كان مظهراً من مظاهر استقلالهم عن المشرق. يقول ابن خلدون: »وتميز ملك الأندلس بالأمويين، فتميزوا بأحوالهم في الحضارة والصنائع، وتميز صنف خطهم الأندلسي كما هو معروف الرسم لهذا العهد«([2]). إن العصر الذي تم فيه الاندماج بين الأندلسيين والمغاربة كان عصراً غلب عليه الخط الأندلسي وانتشاره في بلدان المغرب، وذلك بحكم تعلق الأندلسيين بأذيال الدولة وتشبثهم بالخدمة في دواوينها. يقول ابن خلدون: »فانتشروا، أي الأندلسيين، في عدوة المغرب وإفريقية من لدن الدولة اللّمتونية، إلى هذا العهد، فغلب خطهم على الخط الإفريقيّ وعفا عليه وبقي منه رسمه ببلاد الجريد«([3]).

        لم ينته الخط الأندلسي بنهاية الأندلس الإسلامية، وإنما ظل مرجعاً معتمداً بعد ذلك في المغرب الأقصى، الذي احتضن تراث الأندلس، ومنه الخط وما يتعلق به.وأخذ الخط الأندلسي يطغى على القيرواني في ظل الحكم المرابطي. وظهر في هذا  العصر خطاطون على الطريقة الأندلسية بين مغاربة وأندلسيين استوطنوا المغرب. وقد أدت مزاحمة الخط  الأندلسي للقيرواني إلى حدوث منافسة بين الخطين([4]).

        إن أهل الأندلس لما افترقوا في الأقطار عند تلاشي ملك العرب بها بعد أن تغلبت الأمم النصرانية عليهم، انتشروا في المغرب حاملين معهم هذا الرافد الثقافي الجديد وهو خطهم الأندلسي، نشروه أينما حلوا وأدخلوه في تقاليدهم فتقبله المغاربة وعانقوه لما وجدوا فيه من جاذبية وجمال وتفرد.

       

2  ـ  الكتابة الأندلسية ... رافد جديد

        تخضع الكتابة الأندلسية لنسبة هندسية هامة مع حسن فائق ورونق آخذ بالعقل وترتيب يشهد بكثرة الصبر والتجويد. يظهر الخط الأندلسي مقوس الأشكال، والسطر العمودي هو دعامته، أدق من السطر الأفقي. تتجمع الحروف القصيرة والمستديرة على شكل الخط الإفرنجي القديم (على رأي هوداس). وقد بلغت كتابة المصاحف عند أهل الأندلس من الكمال وحسن الخط ما لم تدركه من قبل ولا من بعد. والنتيجة الطبيعية لجودة الخط أن ألقى الخط بظلاله على المخطوطات، لتأتي دُرَراً ناصعة في أناقتها وجودة كتابتها. ولعل من أجمل المخطوطات الأندلسية صفحة من مجموعة الدكتور مارتين بمدينة فلورنسا بإيطاليا مكتوبة بالخط الأندلسي الجميل.

        أخذ الخط الأندلسي يكتسح المراكز المنافسة عبر المغربين إلى منطقة القيروان([5]).

        إن البنية العامة لهذا الخط هي بنية »لينة« تميل إلى التقويس والاستدارة أكثر منها إلى الاستقامة. وقد انتظمت فيها الحروف انتظاماً مركزاً مدروساً ولّد حركية أفقية نتيجة انبساط الحروف على السطر وتكاملها مع صواعدها. أما الفراغات، فقد تنوعت وتوازنت في التماع حركي أحدث إيقاعاً بصرياً متكاملاً.

        لقد التزم الخطاط الأندلسي بقواعد معينة وملزمات في ملء فضاء الصفحة. لذلك نجد بعض التعريفات التي تنساب انسياباً تلقائياً، فتخرج عن الإطار المحدد للكتابة. وهذه الممارسة تأتي عن وعي في محاولة لامتلاك الفضاء امتلاكاً جمالياُ يعطي بعداً مادياً تشكيلياً لكل حرف وفراغ وحركة([6]).

 

3 ـ الحروف ومدى تشابهها وتطابقها

        يشهد التمعّن في هذه الكتابة الخطية للخطاط بمقدرة كبيرة وكفاءة متناهية في سيطرته على حروفه وحسن تكرارها بالحجم والكيفية والمقياس نفسها. وإن دل هذا على شيء، فإنه يدل على مدى تمكن الخطاط من صنعته ووفائه، وعلى إدراك مدى ارتباط الحروف وتشابهها (الراء والواو) وتعريقات النون والسين والشين والصاد والضاد والقاف واللام وتعريقات الجيم والعين اللذين أخذا شكل نصف دائرة. وهذا التشابه ولّد ائتلافاً بين الحروف فتناسقت الكلمات وترابطت في نظام واحد أعطى توازناً للنص المكتوب([7]).

        إن هيئة الأندلسي الشديد التناسق، بأشكاله العارية بين الزخرف والتزويق والمستديرة، لم تكن قط لتناسب مزاج شعوب المغرب([8]). وحروف هذا الخط القصيرة والمستديرة تتجمع  في شكل كثيف جدّاً وتكوّن مجموعاً، وغالباً ما تأتي الأسطر متقاربة. فياء آخر الكلمة توضع نقطة فوق جزئه النهائي بدلاً من أن توضع نقطة تحته. وقد تتجمع الكلمات هنا أكثر التحاماً منه في القيرواني والفاسي. وظل الخط الأندلسي يتطور من حسن إلى أحسن ثم خطا نحو الوضوح واتساع التطور وجمع حروف الكلمة. ثم تغير سمك القلم، وظهر تباين بين الرأسيات والأفقيات([9]).

       


4  ـ  التوسع والانتشار

        تحوّل الخط الأندلسي إلى المغرب. وفي مدينة فاس استقر وتفرغ. تقبلت فاس الخط الأندلسي فحافظت عليه وطورته بذوق جديد وجمالية متفردة. برع الخطاطون بفاس في خطهم، فكان أسلوباً فريداً في روعته. حروفه تميل قوائمها نحو اليمين، عكس الخطوط العربية،  ويمتاز بتباين سمكه وليونته المناسبة بلطف وقوة وجمال. ويمتاز الخط الفاسي باستدارات في حروف النون والباء الأخيرة والواو واللامات والصاد والجيم وما شابه ذلك. بقي الخط الفاسي كما هو تقريباً. وقد فقد قليلاً من أشكاله المتحررة وكسب مظهراً أكثر بساطة لما اقتبس من الأندلس رتابة في تناسق الحروف([10]). حروفه دقيقة الرسم وبعضها لا يكتب إلاّ بثلث القلم. وهذا الخط يمتاز باستلقاء الأحرف وامتدادها وله من الأناقة حظ كبير، بفضل طول الأسطر العمودية الذي كاد يبلغ حد الشطط والتباعد بين الأحرف التي تمتد أشكالها بنوع من الوفرة. والأسطر التي اتحد حجمها ورقّ مظهرها قليلاً، تندفع في كثير من الجرأة وتبدو لأول نظرة على تناسق كبير([11]).

        وقد زاد الذوق الفاسي في الإجادة الفنية ما اكتمل به جانب الإتقان والتفنّن. ولما انتشر الإسلام على يد أهل المغرب في السنيغال وفي شرقها (السودان الغربي وتمبكتو)، انتشر هناك خط متولد من الخط المغربي الأندلسي في أنحاء السودان يسمى »الخط التمبكتي«، وهي المركز العلمي الرابع للمغرب.

        إن لهذا الخط من الأناقة الحظ الكبير بفضل طول الأسطر العمودية التي تتباعد حروفها وتمتد أشكالها بنوع من الوفرة، والأسطر التي نجد مظهرها رقيقاً تبدو على تناسق كبير. وقد أثر في رقيه تعاقب الدويلات على المغرب وقصر أعمارها. وقد طغت عليه الأقلام المشرقية بشيوعها في الكتب المطبوعة، فانزوى في المصحف الشريف وامتنعت على الناشئة قراءته وابتعد عنه الخطاطون المعاصرون وتقاعسوا عن إحيائه أو تطويره، ولا يزال يظهر في بعض الاستعمالات على استحياء، وما فتئ المسؤولون في المغرب يتوقون إلى رجوعه للصدارة ولكن دون ذلك التشجيع الجدي منهم والاهتمام المتواصل لإحيائه من اهل الاختصاص([12]).

 

جمالية الخط المغربي

        1)  مدخل إطاري

        عند النظر إلى التاريخ وإلى الموسوعة العلمية وتفحّص الوثائق والأحجار والنقائش والوقفيات والبراءات السلطانية، نقرّ بأن الخط المغربي قائم بذاته موجود وقديم، والتوقف عند خصو



Article ajouté le 2008-09-09 , consulté 35 fois

Commentaires



Poster un commentaire





http://





Merci de recopier le nombre présent à gauche dans la case de texte ci-dessous ( Pourquoi ? )





Liens


Imprimer cet article

Retour aux articles


Parrainé par code reduction